الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
33
مختصر الامثل
ومقدار عمركم ليس باختياركم أيضاً ، فمنكم مَن يموت في شبابه أو في كهولته « وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ » « 1 » . ونتيجة هذا العمر الموغل في سني الحياة « لِكَىْ لَايَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيًا » . فيكون كما كان في مرحلة الطفولة من الغفلة والنسيان وعدم الفهم . . . نعم ف « إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ » . فكل القدرات بيده جلّ وعلا ، وعطاؤه بما يوافق الحكمة والمصلحة ، وكذا أخذه لا يكون إلّاعندما يلزم ذلك . ويواصل القرآن الكريم استدلاله في الآية التالية من خلال بيان أنّ مسألة الرزق ليست بيد الإنسان وإنّما . . . « وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِى الرّزْقِ » . فأصحاب الثروة والطول غير مستعدين لإعطاء عبيدهم منها ومشاركتهم فيها خوفاً أن يكونوا معهم على قدم المساواة : « فَمَا الَّذِينَ فُضّلُوا بِرَادّى رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ » . والذي نستفيده من الآية المبحوثة أنّ الإسلام يوصي بمراعاة المساواة كبرنامج أخلاقي بين أفراد العائلة الواحدة ومن يكون تحت التكفّل قدر الإمكان ، وأن لا يجعلوا لأنفسهم فضلًا عليهم . فالتفاوت بين دخل الأفراد ينبع من التفاوت بالإستعدادات ، وهو من المواهب والنعم الإلهية أيضاً ، وإن أمكن أن يكون بعض ذلك اكتسابياً ، فالبعض الآخر غير اكتسابي قطعاً . فإذن وجود التفاوت في الأرزاق أمر غير قابل للإنكار من الناحية الاقتصادية ، ويتمّ ذلك حتى داخل المجتمعات السليمة ، إلّاأنّ أساس النجاح يكمن في السعي والمثابرة والجد ، وينبغي أن لا يكون وجود التفاوت والاختلاف في الإستعدادات وفي الدخل اليومي للأفراد دافعاً لسوء الاستفادة وذلك بتشكيل مجتمع طبقي . ولهذا يقول القرآن الكريم في ذيل الآية مورد البحث : « أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ » . وذلك إشارة إلى أنّ هذه الاختلافات في حالتها الطبيعية ( وليست الظالمة المصطنعة ) إنّما هي من النعم الإلهية التي أوجدها لحفظ النظام الاجتماعي البشري . وتبدأ الآية الأخيرة من الآيات مورد البحث بلفظ الجلالة « اللَّه » كما كان في الآيتين السابقتين ، ولتتحدث عن النعم الإلهية في إيجاد القوى البشرية ، ولتتحدث عن الأرزاق الطيبة أيضاً تكميلًا للحلقات الثلاثة من النعم المذكورة في آخر ثلاث آيات ، حيث استهلّت
--> ( 1 ) « أرذل » : من « رذل » بمعنى الحقارة وعدم المرغوبية ؛ والمقصود من « أرذل العمر » : السنين المتقدمة جدّاً من عمر الإنسان حيث الضعف والنسيان ، ولا يستطيع تأمين احتياجاته الأولية ، ولهذا سماها القرآن بأرذل العمر .